و ذكرت لها الكثير أيضا عن ابنتها سوسن و عن شقاوتها و خفة ظلها .. فكانت صافي تبتسم لما تسرده أم إبراهيم …
ثم أنهت أم إبراهيم حديثها و قامت واقفة و هي تقول : أسيبك ترتاحي بقى شوية على ما احضر الغدا زمان إبراهيم هييجي ..و بيبقى جاي واقع مالجوع يا حبت عيني .. عن اذنك ..
قالت لها صافي : اتفضلي يا طنط .. أنا تعباكي معايا معلشي شوية كدة بس و هقوم اروح اول ما احس اني قادرة اقوم ..
نظرت لها أم إبراهيم نظرة كلها عتاب .. جعلتها تندم على مقولتها ..
و قالت لها : هو انتي لحقتي تزهقي مننا ..
ردت صافي نافية بسرعة : ﻻ أبدا و الله ده أنا حبيتك قوي يا طنط ، بس مش عايزة اتعبك أكتر من كدة ..
قالت لها أم إبراهيم و هي تلملم اﻷطباق الفارغة : ﻻ تعب وﻻ حاجة دا انتي حتى مسلياني بعد ما سوسن سافرت و بقيت قاعدة لوحدي في البيت .. اسيبك ترتاحي بقى شوية .. ****************************************
خرجت أم إبراهيم من الغرفة تاركةً صافي تغرق في أفكارها ..
تارة تلوم نفسها على أن تفوهت بالحق .. و تارة تلوم نفسها على هذا التفكير ..
و تارة تسترجع الوحشية التي عوملت بها و هي المدللة المرفهة طوال عمرها .. فتبكي ..
و يأتي على بالها حديث أم إبراهيم الحنونة .. فتغرق في تفاصيله .. و تحاول الربط بين أركانه و تصور شخوصه ..
و تجمعت أفكارها في النهاية عند إبراهيم .. الرجل الذي انقذ حياتها و انتشلها من الشارع و آواها في بيته ..
يا ترى كيف هو شكله ..
تخيلته ليس بالطويل وﻻ القصير .. تظهر عليه الملامح المصرية بوضوح .. تخيلته اسمر من أثر الشمس الحارقة في الشوارع التي يقود فيها التاكسي ..
و استرجعت كلام والدته عن كونه أصلا صحفي و أوذي مثلها لقوله كلمة الحق .. فأحست أن هناك رابطا يربط بينها و بين هذا الـ “إبراهيم ” المجهول .. و شعرت بالرغبة في رؤيته ..
ثم أحست بصداع .. و رغبة في النوم .. و توقعت أن ذلك من أثر الدواء الذي أخذته ؛ فاستسلمت للنوم ..
************************* كان الوقت عصرا حين عاد إبراهيم إلى بيته .. مكفهرا من شدة الحر .. يجر أرجله من التعب .. و ألقى بجسده على أول كرسي قابله .. ليستريح ..
جاءت إليه أمه مرحبة : حمدا لله على سلامتك يابني .. و جلست بجواره مستفسرة : ها كان يومك عامل ايه إنهاردة ..
رد عليها إبراهيم و هو مغمض العينين : الحمد لله يا أمي .. شقى زي كل يوم .. و الشوارع زحمة جدا زي ما يكون مفيش حد قاعد في بيته ..
نظرت له أمه مشفقة : يا بني ارحم نفسك بقى مالتعب ده ..
جاي عليك ده كله بإيه ..قال يعني إنت محتاج القرشين اللي بيجولك من اللف في الشوارع ده ..
ثم استطردت قائلة : مانت ممكن تبيع كام فدان ماﻷرض و تفتحلك شركة وﻻ حتى تفتحلك جرنان .. معرفش انت غاوي تتعب نفسك كدة ليه ..
يزفر إبراهيم ضيقا من حديث أمه الذي تكرره على مسامعه يوميا منذ أن قرر أن يعمل على التاكسي و يقول : يا أمي كذا مرة تقوليلي الكلام ده و ارد عليكي إني مش هبيع أرض ابويا اللي موصيني مفرطش فيها أبدا ..
ثم أكمل قائلا :
بصي ماﻵخر كدة يا أمي أنا باخد خبرة في الحياة من سواقة التاكسي ..
تستنكر أمه : خبرة !! خبرة ايه دي إن شاء الله !!!
يعتدل إبراهيم في جلسته مواجها أمه قائلاً بحماسة : خبرة في البشر يا أمي .. انتي متعرفيش أنا بيعدي عليا أنواع مختلفة أد ايه من البشر و أنا سايق التاكسي ده !! و ﻻ كلامهم و حواراتهم مع بعض .. كل ده بيعرفني معادن الناس و نفسياتهم و ده بيفيدني في البحث اللي بعمله و في المقاﻻت اللي ببعتها للجورنال بتاع برة ..
تزفر أم إبراهيم معلنة استسلامها و تهم بالقيام و هي تقول : خلاص يا بني اللي تشوفه .. أما أقوم احضرلك الغدا بقى ..
يتلهف إبراهيم و هو يسأل أمه : هي عاملة ايه .. فاقت وﻻ لسة ..
ترد أمه : آه فاقت يا كبدي و قعدت تعيط اد كدة .. بس أنا هديتها و قعدت احكيلها في حكايات عشان تنشغل عن اللي جرالها ..
اضطرب إبراهيم مستفسرا : تحكيلها .. تحكيلها ايه يا أمي ..إوعي تكوني حكيتلها تاريخ العيلة كله .. تضحك أمه و هي تقول : ﻻ مش كله ربعه بس ..
أصلي مكنتش عايزة اصدعها ..
يخبط إبراهيم على جبهته و يقول ممازحا أمه : آه كده يبقى عرفت كل حاجة عننا .. اوعي يا أمي تكوني حكيتلها على المرة اللي اتخانقنا فيها أنا و سوسن عشان الربع جنيه المخروم اول ما طلع ..
تضحك أمه و هي تقول له : انت فايق و رايق صحيح .. أما أقوم احضرلك الغدا ..
يستمهلها إبراهيم قائلا : استني هنتغدى من غيرها .. مش أصول برضو ..
تعترض أمه قائلة : بس أنا شقرت عليها من شوية لقيتها نايمة ..
يقوم إبراهيم من مكانه متجها للحمام :
خلاص نستناها لما تصحى و أنا هاخد دش و اخش اريح شوية ..
تنظر له أمه مستعجبة .. و تغمغم : الله يرحم أيام ماكنت بترنلي و انت عالسلم عشان احضر الغدا على ما تطلع ..
يلتفت لها إبراهيم و يقول : بتقولي حاجة يا أمي ..
تبتسم و هي ترد : أبدا بدعيلك .. ربنا يرزقك الخير و يكفيك الشر يابني .. الفصل الثالث :
حل المغرب و أفاقت صافي على صوت المؤذن .. أضاءت النور المجاور للفراش .. تفقدت آلامها فشعرت بتحسن بسيط .. انتبهت لذلك أم إبراهيم .. فطرقت على باب غرفتها و دخلت : هاه عاملة ايه دلوقتي ..
ترد صافي مبتسمة : الحمد لله يا طنط احسن ..
تنحنى عليها أم إبراهيم و هي تقول : طب يللا بقى تعالي أساعدك تشطفي وشك بشوية ماية كدة عشان مستنينك عالغدا ..
تستحي صافي قائلة : ياه انتوا أخرتوا غداكوا عشاني .. أنا آسفة جدا .. طب مش كنتي تصحيني يا طنط ..
تساعدها أم إبراهيم على النهوض و هي تقول لها : و دي تيجي برضو يا بنتي … انتي تعبانة و النوم ليكي شفا باذن الله .. تعالي تعالي ..
تستند صافي على أم إبراهيم .. و تسير معها باتجاه الحمام .. و هي تشعر بإعياء شديد ..
فجأة رأته أمامها .. كان يصلي في غرفته و الباب مفتوح .. لمحته فاستحت أن تنظر له و هو يصلي .. فتحاملت على نفسها حتى تسرع الخطى باتجاه الحمام ..
و تركتها أم إبراهيم وحدها و ذهبت لتعد المائدة ..
و بعد أن غسلت وجهها بصعوبة شديدة ..
خرجت تتحسس خطاها مستندة على الجدار ..
فرآها إبراهيم بعد أن كان قد فرغ من صلاته .. لم تكن كما اعتاد أن يراها في التلفاز أو في المرات التي رآها فيها في الجورنال الذي تعمل به .. لم تكن “على سنجة عشرة ” و لم يكن شعرها مرتبا بعناية كما اعتادت .. بل كانت ضعيفة شاحبة ، تتناثر خصلات شعرها الناعم على جبينها و على كتفيها بلا نظام ..
رق قلبه لحالها .. مما دفعه لكي يتجه ناحيتها و يساعدها في الوصول ﻷقرب مقعد ..
لمحته هي و هو يتجه نحوها .. فرفعت إليه عينيها العسليتين ..
تتأمله ..
فتوقف للحظة حين تلاقت أعينهما .. ثم طأطأ برأسه مستحيا حين شعر أن نظرتها اخترقت كيانه قائلا لها : تعالي اقعدي ..
كانت هذه اللحظة تحمل الكثير في داخله و في داخلها هي أيضا ..
فها هو الذي انتشلها من الشارع يقف أخيرا أمامها .. ذلك الذي تخيلته منذ ساعات معدودة .. و لم يكن أسمر كما توقعته و لم يكن أبيض كذلك .. كان ذلك اللون المحبب بين ذلك و ذاك .. و لم يكن بالطويل و لم يكن قصيرا أيضا .. بل كان أطول منها ـ و هي المتوسطة الطول ـ ..
ببضعة سنتيمترات ..
كانت ملامحه هادئة و لكنها كانت تنطق بالوسامة و الرجولة .. لم يكن كما تصورته .. بل كان أجمل ..
شعرت أنها رأته قبلا .. لكنها طأطأت رأسها بدورها و سارت مستندة على ذراعه القوي .. حتى جلست ..
و ما إن انفك تشابك ذراعيهما حتى تنفس هو الصعداء .. فقد كان يقاوم و بشدة رغبةً قويةً بأن يحتضنها و يحملها و ﻻ يتركها تسير متألمة .. و لكنه تمالك نفسه بكل ما أوتي من قوة ..
ثم جلس قبالتها سائلا إياها : عاملة ايه دلوقتي .. يا رب تكوني احسن ..
احمرت وجنتاها خجلا و حرجا من معرفته ما بها .. و تمتمت و هي تخفض عينيها أرضا : الحمد لله ..
شعر بما في صدرها .. فغير الموضوع معرفا نفسه إليها قائلا : أنا اسمي إبراهيم .. صحفي مستقل .. ثم غمز لها و قال مبتسما : زميل يعني .. ابتسمت بدورها ابتسامة خفيفة و لم تبادر بتقديم نفسها إليه هي اﻷخرى فقد فهمت أنه يعرف من تكون و لكنها قالت : أنا حاسة إني شفتك قبل كدة فعلا ..
فتلعثم و هو يقول : فعلا !! جايز ..
ثم قام واقفا محاوﻻ الهروب من الموقف و هو يقول : هروح اجيب الأكل مع أمي .. ثواني و هتاكلي أكل عمرك ما دقتي زيه أبدا ..
ردت عليه بابتسامة مشرقة …و تابعته و هو يذهب بالفعل للمطبخ و عاد مع والدته و هما يتبادﻻن المزاح .. كانت طريقة تعاملهما معا تروق لها كثيرا .. فقد كانت كلها مزاح و حب و ﻻ تتقيد بحدود .. كأنهما شخص واحد ..
تناولوا جميعا الطعام بنهم شديد .. فقد كاد الجوع أن يفتك بهم .. خاصةً إبراهيم ..
و استمتعت صافي كثيرا بالطعام و بالسمر ..
و هي التي اعتادت أن تأكل وحدها .. طعاما جاهزا ..
و ما إن انتهوا من تناول الطعام حتى مازحت صافي أم إبراهيم قائلة : ﻻزم يا طنط تعلميني ازاي اعمل الأكل الحلو ده ..
فردت أم إبراهيم على الفور مرحبة : طبعا يا بنتي و أنا في ديك الساعة .. ده انتي تؤمري ..
و قامت لتعيد اﻷطباق إلى المطبخ و لحق بها إبراهيم يساعدها ، حاولت صافي أن تساعدهما و لكنهما منعاها
و قال لها إبراهيم : استريحي انتي و استنينا في البلكونة على ما نجيلك بالشاي .. الجو بيبقى تحفة دلوقتي ..
ابتسمت له صافي ابتسامة عذبة ـ جعلت قلبه يخفق بشدة ـ معبرة له عن امتنانها و هي تقول : حاضر ..
***************
دخلت صافي الشرفة مستندة على الجدران .. فوجدت فعلا النسيم عليل .. و تأملت ﻷول مرة المكان الذي تتواجد به .. فوجدت أن الشرفة تطل على شارع متسع تصطف اﻷشجار على جانبيه ، و أدركت من طراز المباني أنها في أحد أحياء القاهرة التي كانت قديما من أرقي أحياء العاصمة .. و لكنها اﻵن أضحت من اﻷحياء التي تسكنها الطبقة المتوسطة العليا ..
جلست صافي على أحد المقاعد متأملةً القمر و قد كان بدرا ..
و سرحت قليلا في حالها .. و في شقتها و كيف ستعود و متى .. و هل سيلاحقونها أم أنهم اعتبروها ماتت ..
قطع تسلسل أفكارها دخول إبراهيم و أمه حاملين أقداح الشاي الساخن و بعض الكعك المعد منزليا ..
“و آدي الشاي .. و يا رب الكيك اللي عاملاه يعجبك بقى” ..

