
يتيمة الصعيد بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.
هو عشان أنا يتيمة وماليش ضهر… تعملوا فيا كده؟” صرخة “نيلي” التي اختر.قت القلوب. هل تستطيع أن تسامح من ك.سرها؟ وقفت نيلي في وسط الدوار، جسمها كله بيترعش، وهي حاسة إن كل العيون متسلطة عليها من يوم ما دخلت بيت جدها بعد وفاة أبوها وأمها في الحادث، وهي غريبة بينهم يتيمة… مالهاش غير اسم أبوها أما الوصي عليها، فكان ابن عمها الكبير… سليم.
الراجل اللي أبوها قبل ما يمو وصّاه عليها وقال له: “نيلي أمانة في رقبتك يا سليم. لكن الأمانة بقت حمل تقيل على الكل كل يوم تسمع نفس الكلام…
“دي جاية تاكل حق ولادنا.”دي نحس… أول ما دخلت البيت والمشاكل ما بطلتش.”
“دي متربية برة الصعيد… ما تعرفش أصولنا.وكان سليم… يصدق.
يمكن لأنه شاف بعينه مواقف اتفسرت غلط ويمكن لأنه عمره ما سألها.
في اللحظة دي، صاحت مرات عمها: “لقيت السلسلة الدهب في أوضتها… بعد كل ده هتنكر؟”
نيلي هزت راسها بعنف، والدموع مغرقة وشها.
“والله ما شوفتها… والله العظيم مظلومة.”
لكن محدش سمعها سليم قرب منها، وعينيه مليانة غضب.
قال بصوت هز الدوار كله: “أنا اديتك ثقة، وانتي ك.سرتيها.”
شهقت وهي بتبصله بعدم تصديق.
إنت كمان مصدقهم؟
رد بجمود: الدليل قدامي صرخت من قلبها: “اسألني حتى!” لكن الغضب كان أسرع من العقل… رفع إيده، وصفعها. اتلفت وشها بقوة، وسكت المكان كله ولا حد اتحرك ولا حد دافع عنها.
رفعت عينيها ليه، والدموع بتنزل في صمت، وقالت بصوت مك.سور هيفضل يطارده العمر كله:
هو… عشان أنا يتيمة وماليش ضهر… تعملوا فيا كده؟
الكلمات خرجت منها كأنها طلعت من قلب اتك.سر ألف مرة.
بص لها سليم لحظة… ولأول مرة حس بحاجة بتوجعه في صدره لكن كبرياؤه منعه يتراجع.
لف وشه وقال ببرود: “اطلعي على أوضتك… قبل ما أندم إني سبتك في البيت ده.”
ما ردتش طلعت السلم ببطء… وفي كل درجة كانت دموعها بتنزل أكتر. دخلت أوضتها، قفلت الباب، ح.ضنت صورة أبوها، وهمست وسط شهقاتها:
كنت فاكرة إن وصيتك هتحميني… طلع حتى هو صدق إني وحشة. وفي آخر الليل… كانت نيلي خرجت من باب الدوار من غير ما حد يحس.
وتركت خلفها بيتا لن يعرف قيمة وجودها… إلا بعدما اختفت.كانت الساعة قرب الفجر، والدوار كله غارق في النوم.
نيلي خرجت وهي شايلة شنطة صغيرة، وممسكة صورة أبوها على صدرها. وقفت قدام باب الدوار لحظة، بصت له بعيون مليانة وجع، وهمست:
“أنا داخلة البيت ده من يوم ما اتوفيتوا، وكل يوم كنت بقول بكرة هيحبوني… بس واضح إن الغريب عمره ما يبقى من أهل الدار. ومشت.
مع أول ضوء للشمس، نزلت الخدامة تخبط على باب أوضة نيلي “يا بنتي… قومي. محدش رد فتحت الباب…السرير متترتب، والدولاب مفتوح، وكل هدومها اختفتصرخت:
الحجة: نيلي هربت! في ثواني، الدوار كله اتقلب.
سليم نزل السلم بسرعة “يعني إيه هربت؟!
لف الأوضة بعينيه وفجأة وقعت عينه على ورقة صغيرة فوق المخدة فتحها بارتباك.
وكان مكتوب فيها بخط مهزوز: “متدوروش عليا… متقلقوش، أنا هبعد عن حياتكم كلها. يمكن لما أمشي ترتاحوا من النحس اللي شايفينه فيا. ومتخافوش… مش هاخد منكم لا حق ولا ميراث، أنا سيبالكم كل حاجة. يمكن كده تصدقوا إني عمري ما كنت طمعانة في حاجة… أنا كنت بس عايزة أحس إن ليا أهل.”
سليم حس بإيده بتترعش أول مرة يحس إن الكلام بيخنقه لكن قبل ما يتكلم، دخل كبير الغفر وهو ماسك شاب من شباب البلد من هدومه “جبته يا كبير… هو اللي كان مستخبي.”
الشاب وقع على ركبته وهو بيعيط.
“سامحوني… أنا السبب سليم قرب منه بعصبية: “سبب إيه؟!” رد بخوف: “السلسلة… أنا اللي حطيتها في أوضة نيلي.” اتجمدت ملامح الجميع مرات عمها شهقت:
“إيه؟!”
الشاب كمل وهو بيرتعش:
ابن عمها… فارس… هو اللي اداني فلوس أعمل كده. كان عايز يطردها من البيت قبل ما تعرف بحقها في الأرض.”
لف سليم ببطء ناحية فارس اللي بقى وشه اصفر: كداب! لكن الشاب صرخ:
“والله هو اللي أمرني… وقال محدش هيصدق يتيمة مالهاش حد.”
الجملة نزلت على سليم زي السكين.
يتيمة مالهاش حد… هي نفس الكلمة…
نفس الوجع اللي قالته وهي بتبكي:
“هو عشان أنا يتيمة وماليش ضهر تعملوا فيا كده؟”
رنت في ودانه من جديد افتكر دموعها…
افتكر رعشة صوتها… وافتكر إنه حتى ما سألهاش.
في لحظة، اندفع ناحية فارس، ومسكه من هدومه وض.ربه لكمة وقعته على الأرض.
وزعق لأول مرة بصوت هز الدوار كله:
“لو لمست اسمها تاني… هدخلك قبرك بإيدي!”
وبعدين بص لأهل الدار، وعينيه كلها ندم.
“كلكم شاركتوا في ظلمها… وأنا أولكم.”
رما الورقة من إيده، وخرج يجري ناحية عربيته.
عمه ناداه:رايح فين؟!
رد وهو بيفتح باب العربية، وصوته مك.سور:
“أجيب أمانة أبوها… قبل ما تضيع مني للأبد.” لكن سليم ماكنش يعرف… إن نيلي كانت في اللحظة دي قاعدة لوحدها على مقعد في محطة القطر، ماسكة شنطتها، والتذكرة في إيدها… والقطر بدأ يتحرك بالفعل.
قبل انطلاق القطر بثوانٍ، كانت نيلي قاعدة جنب الشباك، ح.ضنة شنطتها الصغيرة، وعينيها ثابتة على الرصيف.
ولا دمعة نزلت… كأنها خلصت كل دموعها في دوار الهواري. طلعت صورة أبوها من شنطتها، ومسحت عليها بإيد مرتعشة.
همست: سامحني يا بابا… مقدرتش أحافظ على وصيتك. أنا تعبت… والله تعبت.
صفّر القطر، وبدأ يتحرك ببطء.
في نفس اللحظة… كانت عربية سليم بتشق طريقها بسرعة جنونية. الغفير اللي جنبه قال بخوف: “هدي السرعة يا سليم بيه!”
لكن سليم كان ضغط على الدركسيون لدرجة إن مفاصله ابيضت.
كل اللي بيرن في ودانه صوتها…
“هو عشان أنا يتيمة وماليش ضهر تعملوا فيا كده؟”
ض.رب الدركسيون بإيده وهو بيصرخ: “استحملي يا نيلي… بالله عليكي استحملي.”
وصل المحطة نزل يجري كالمجنون نيلي!
لف بين الناس يبص في كل وش.
يسأل كل واحد يقابله “شوفتوا بنت لابسة عباية سودة؟ ولا حد رد عليه. وفجأة لمح آخر عربية في القطر وهي بتبعد وقف مكانه..
كأن الدنيا اتسحبت من تحت رجليه.
ركبته خانته، ونزل على الأرض.
لأول مرة في حياته… بكى.
دموع نزلت من راجل عمره ما عرف يعني إيه ضعف بعد أسبوعين… الصعيد كله كان بيتكلم سليم الهواري قلب الدنيا “دور عليها في كل المحافظات.”علق صورتها في كل حتة ووعد بمكافأة كبيرة لأي حد يوصله ليها.” لكن… ولا أثر كل يوم كان يدخل أوضتها يقعد على سريرها يبص للهدوم اللي سابتها ولأول مرة يكتشف إنها كانت عايشة بينهم في صمت.
لقي كشكول قديم تحت المخدة فتحه…
أول صفحة مكتوب فيها: “أنا بخاف من سليم… لكن لما بيكون بعيد، بحس البيت كله مخيف. يمكن هو بيكرهني… بس وجوده كان بيطمني.” قلب الصفحة النهارده مرضت، ومحدش سأل عليا… إلا سليم. حط العلاج قدام الباب ومشي. يمكن عملها شفقة… بس أنا فرحت.” الصفحة اللي بعدها خلت نفسه يتق.طع. “أنا بحبه… من وأنا صغيرة. وعارفة إنه عمره ما هيبصلي. هو شايفني حمل فرضه عليه بابا قبل ما يمو.” وقع الكشكول من إيده وسند راسه على الحيطة همس بصوت مخنوق:
“وأنا يا غبية… كنت بقسى عليكي عشان كل ما أشوف حد يبصلك، النار كانت بتاكلني من جوا. كنت بخاف أحبك… وأخسرك.” في اللحظة دي دخل الغفير بسرعة: سليم بيه!” رفع راسه بسرعة “في إيه؟” “في واحد من القاهرة بيقول إنه شاف صورة الآنسة نيلي… وبيقول إنها شغالة في مكتبة كبيرة باسم مختلف. وقف سليم في ثانية.
وعينيه رجع فيها الأمل بعد ما كانت ميتة. قال بحسم: جهز العربية. سأله الغفير: رايح فين؟ ابتسم لأول مرة من أسبوعين… ابتسامة كلها وجع وقال:
“رايح أرجع البنت اللي ك.سرت قلبها بإيدي… حتى لو فضلت العمر كله أطلب منها السماح.”
وصل سليم القاهرة بعد رحلة ما نامش فيها دقيقة. كان معاه صورة قديمة لنيلي، وكل ما يقابل حد يوريهاله. “شوفت البنت دي؟ مرة يقولوا لأ…
ومرة يقولوا يمكن.
لحد ما وصل لمكتبة صغيرة في حي هادي.
دخل بعينين بيدوروا عليها في كل ركن.
لكنها ما كانتش هناك.
صاحب المكتبة بص للصورة وقال:
“أيوه… كانت شغالة عندي.”
اتعلق قلب سليم بالكلمة: “فين؟”
مشيت من تلات أيام سليم حس إن الدنيا بتعيد نفس اللعبة.
“راحت فين؟” الراجل هز راسه “ما قالتش… كانت بنت محترمة، في حالها، وكل يوم أول ما تخلص شغلها تروح تزور دار أيتام.
في نفس الوقت… كانت نيلي قاعدة وسط الأطفال في دار الأيتام، بتلعب معاهم وتضحك.
من يوم ما سابت الصعيد، قررت تبدأ حياة جديدة بدون دوار… بدون ميراث… وبدون سليم.
طفلة صغيرة جريت عليها وح.ضنتها
“ماما نيلي…” ابتسمت وهي تشيلها.
“أنا مش ماما يا حبيبتي البنت ردت بعفوية: “بس إنتِ بتح.ضنينا زي الماما.” الكلمة ك.سرت جزءًا من قلبها… لكنها ابتسمت.
بعد ساعات…
وصل سليم لدار الأيتام.
أول ما دخل، لمحها من بعيد كانت لابسة إسدال بسيط، وضاحكة مع الأطفال وقف مكانه.
أول مرة يشوفها مرتاحة وأول مرة يحس إنه ما يستحقش يقرب منها لكن قلبه سبق رجليه: نيلي… أول ما سمعت صوته… اتجمدت. الضحكة اختفت من على وشها لفت ببطء ولما شافته… وشها شحب أما الأطفال فجروا بعيد وهم حاسين إن في حاجة غلط. سليم قرب خطوة: “الحمد لله إنك بخير.” نيلي رجعت خطوة لورا وقالت بهدوء وجع أكتر من الصريخ: مين حضرتك؟ الكلمة نزلت عليه كأنها صفعة. “نيلي… أنا سليم.” ابتسمت بسخرية: عارفة اسمك… بس حضرتك بالنسبة لي بقيت شخص غريب.
بلع ريقه بصعوبة: “أنا جيت أعتذر.” هزت راسها: “الاعتذار بيرجع الكرامة اللي اتك.سرت قدام الناس؟” سكت فهتفت: بيرجع اليوم اللي حسيت فيه إني يتيمة بجد؟