قصص وروايات

حفيدتي

“ممكن تعملي نفسك حفيدتي لمدة ٥ دقايق بس؟” اترجى الراجل العجوز في البنك… بس لما ظهرت بنت أخوه بورق عشان تحبسه في دار مسنين، الكدبة دي بقت وسيلة دفاعه الوحيدة. — والبنت دي بقى بتاخد منك كام عشان تمثل إنها بتحبك يا حاج محمود؟ الجملة نزلت زي القلم على وش كل اللي في البنك. كذا حد لف وشه. فرد الأمن ساب موبايله. طابور البنك الطويل والحر في يوم قبــ,,ـــــض في فرع “الدقي”، سكت خالص.. السكوت الغريب اللي بيظهر لما يكون الكل عايز يسمع بس محدش عايز يبين.

الحاج محمود، ٨١ سنة، كان ماسك دفتر توفيره القديم بإيديه الاتنين. شعره الأبيض متسرح بالمللي، قميصه مكوي، وجزمته البني بتلمع كأنها من زمن تاني. قدامه، موظفة البنك الشابة كانت بتحاول تبتسم، رغم إن عينيها مكانتش عارفة تبص فين. ورا الحاج محمود وقفت نور، ٢٥ سنة، شغالة في مكتبة صغيرة، ومعاها شنطة قماش مليانة روايات مستعملة، وصبر غالباً بيعيش معاها أكتر من مرتبها. كانت واخدة بالها من الراجل العجوز من ساعة ما دخلت. مش عشان لبسه ولا سنه، لكن عشان الطريقة اللي بص بيها ناحية الباب لما الموظفة سألته:

— في حد جاي مع حضرتك يا فندم؟ الحاج محمود ابتسم بالعافية. — مش النهاردة. كلمة “مش النهاردة” مطلعتش كأنها إجابة، طلعت كأنها بيت فاضي. عشان كده، لما لف ببطء ناحية نور وسألها بكسفة توجع القلب: — يا بنتي، ممكن تعملي نفسك حفيدتي لمدة ٥ دقايق بس؟ نور مفكرتش كتير. — حاضر يا حاج. وش الحاج محمود نور بفرحة صغيرة، زي الأطفال. ولف للموظفة وقالها: “حفيدتي وصلت أهي”.

الجو في الطابور هدي شوية. في ست ابتسمت. وحد تمتم إن لسه في ناس فيها الخير. ولمدة ١٠ دقايق، كل حاجة مشيت تمام. الموظفة خلصت إجراءات تجديد الكارت، راجعت الدفتر، وشرحت للحاج محمود شوية حاجات بسيطة. نور كانت واقفة جنبه، كأنها فعلاً جاية تاخد بالها منه.
بس أول ما خرجوا من باب البنك، الهدوء ده اتكسر. عربية جيب سودة وقفت قدام البنك. نزلت منها واحدة في نص الخمسينات، لابسة نضارة شمس، شايلة شنطة غالية، ووشها بيدي انطباع إن الدنيا كلها مديونة لها باعتذار. كان ماشي جنبها شاب أضخم، لابس قميص ضيق وراسم ابتسامة معوجة.

— عمي محمود.. قالتها الست وهي بتقلع نضارتها. يا للمفاجأة.. جاي البنك من غير ما تقولنا، وخارج مع واحدة منعرفهاش. الحاج محمود جسمه اتشد. — إلهام. نور لاحظت التغيير فوراً. الراجل العجوز اللي كان بيهزر معاها من دقايق بقى متخشب، زي طفل مستني يتضــ,,ـــــرب. — مين دي؟ سأل الشاب. — واحدة صاحبتي، رد الحاج محمود. — صاحبتك؟ إلهام ضحكت ضحكة ناشفة. في سنك ده، “الصحاب” مابيظهروش غير لما يشموا ريحة بيت، أو معاش، أو ورث.

نور حست إن وشها بيغلي: — يا فندم، أنا مطلبتش منه أي حاجة. — لسه.. ردت إلهام.. كلهم بيبدأوا كده. الحاج محمود حــ,,ـــــضن دفتر التوفير على صدـ,,ـــره: — نور كانت بتساعدني بس. “رامي”، ابن إلهام، بص لنور من فوق لتحت: — واضح.. حتة موظفة من الشارع بتساعد راجل عجوز لوحده في البنك. شهامة ما بعدها شهامة.. يالها من صدفة. — أنا مش لوحدي، قالها الحاج محمود وصوته بيتشرخ. إلهام قدمت خطوة:

— لأ لوحدك يا عمي. وعشان كده بنحاول نحميك، حتى لو إنت مصمم تعاند. امضي التوكيل في الشهر العقاري وخلينا نخلص من السيرك ده. إحنا هندير حساباتك، ونبيع البيت الكبير اللي مبقتش قادر تراعيه، وندخلك مكان محترم. نور بربشت بعينيها باستنكار: — تدخلوه؟ — دار مسنين خاصة، ردت إلهام من غير ما تبصلها. مش من الأماكن اللي بيرموا فيها العواجيز. إحنا عيلته. الحاج محمود وطى عينه للأرض: — البيت مش للبيع.

— البيت بيقع.. وإنت كمان. قالها رامي.
الجملة كانت قاسية لدرجة إن ست ماشية على الرصيف تمتمت: “يا ساتر على الجحود”. إلهام متجاهلتش حد غير عمها، طلعت ورق من شنطتها وحطته بقوة على صدـ,,ـــره: — موظف الشهر العقاري مستنينا بكرة. بطل شغل العيال ده. إنت لا عندك زوجة، ولا ولاد عايشين، وحفيدك طول الوقت مشغول وعامل فيها رجل أعمال. إحنا الوحيدين اللي بنسأل فيك. الحاج محمود رفع عينيه اللي لمعت بالدموع: — عمر بيسأل. — لما بيفضى.. إلهام بصقت الكلام.. يعني تقريباً ولا مرة.

نور أخدت خطوة لقدام: — إنتي مالكيش حق تكلميه بالطريقة دي. رامي ضحك بصوت عالي: — وإنتي تطلعي مين بقى عشان تدافعي عنه؟ ولأول مرة، الحاج محمود فرد ضهره وقال: — دي حفيدتي. السكوت رجع تاني، بس المرة دي كان حاد زي السك..ينة. إلهام بصت لنور بغل: — يبقى بكرة هنعمل فيكي محضر. لأن عمي معندوش أي حفيدة. الحاج محمود مردش. بس مسك إيد نور بقوة مكنتش متوقعة منه، كأن كدبة الـ ٥ دقايق دي بقت الحقيقة الوحيدة اللي فاضلاله. ولما إلهام وطت عليه وهمستله بحاجة الكل قدر يسمعها، الصبح كله بقى تقيل وصعب:

— لو ممضيتش، هثبت إن قواك العقلية مبقتش سليمة… وساعتها لا بيتك ولا فلوسك هيكونوا بتوعك. الجزء الثاني: الحاج محمود متكلمش تقريباً لمدة ٣ شوارع. كان ماشي ودفتر التوفير حــ,,ـــــضنه على صدـ,,ـــره، بيتفادى البرك في الشارع، ونظرات الناس، وحتى نفسه. نور كانت ماشية جنبه، بتعمل نفسها مش واخدة بالها إن إيد الراجل العجوز بتترعش. أول ما وصلوا لقهوة بلدي صغيرة، استخبت بين مكتبة ومحل فول وطعمية، هو وقف. — أنا عزومتي ليكي على فنجان قهوة مضبوط.

— حضرتك مش مديون لي بحاجة. — طب تعالي معايا من باب الشفقة. نور بصت له. الحاج محمود حاول يبتسم، بس الحزن كان بيهرب من أطراف عينيه.
خلاص، يبقى شاي وبقسماط بس، قالت نور. جوة القهوة، المكان كان ريحته شاي بالنعناع وعيش بلدي صابح. الحاج محمود طلب قهوة بن حوج، ونور طلبت شاي بالنعناع وقرصتين بسكر. لعدة دقايق اتكلموا في حاجات بسيطة: الروايات اللي نور بترتبها في المكتبة، الطلبة اللي الحاج محمود درس لهم على مدار ٤٢ سنة كمدرس تاريخ، والورد اللي مراته “فاتن” زرعته قبل ما تتوفى.

وفجأة طلع موبايل قديم من جيبه. — عندي مشكلة تانية. نور ابتسمت: — وريني كده. — كنت عايز أكلم حفييدِي، وتقريباً بعت قرد بيرقص على جروب العيلة! نور بصت للشاشة، وفعلاً كان في استيكر كبير لقرد بلابس طربوش مكتوب عليه: “صباح الخير يا أبطال”. نور ضحكت ضحكة عالية خلت ناس من ترابيزتين يلفوا يبصولها. — حاج محمود، حضرتك كده أعلنت حرب إلكترونية! — أنا عندي ٨١ سنة، مش حيلتي أحارب قرود والله. الموبايل رن، وعلى الشاشة ظهر اسم “عمر”.

الحاج محمود اتوتر، داس على الزرار الغلط وقفل السكة. — أنا دخلته في البريد الصوتي؟ — هو ده وحش؟ سأل الحاج محمود. — على حسب.. حضرتك عايزه يفتكر إنك اتخطفت؟ بعد ٥ دقايق، دخل شاب عنده ٣١ سنة القهوة، مشمر أكمام قميصه، وشها مشدود، ومفاتيح العربية لسه في إيده. عينيه دورت على الحاج محمود، وبعدين وقعت على نور. — يا حاج! الحاج محمود رفع إيده بمنتهى البساطة: — جيت في وقتك.. دي نور، حفيدتي. عمر وقف مكانه متخشب:

— بس حضرتك معندكش حفايد بنات يا جدو! نور كانت هتتخنق بالشاي: — حكاية طويلة والله.. عمر أخدها على جنب ناحية الباب: — إنتي مين؟ — أنا البنت اللي مثلت إنها حفيدته عشان ما يحسش إنه لوحده ويتهان في البنك. عمر غمض عينيه أول ما سمع عن إلهام ورامي والتأجير والتهديد بالدار. الخجل جرى في دمه أسرع من الغضب:
أنا آسف.. أنا افتكرت أسوأ حاجة. — وعمتك افتكرت كده برضه. عمر بص من القزاز.. الحاج محمود كان بيكسر القرصة بتركيز شديد وكأنه بيعمل مهمة قومية.

— جدو مقاليش إنهم بيمارسوا عليه ضغط كده. — يمكن عشان حضرتك دايماً في اجتماعات؟ الجملة نزلت في مكانها صح. عمر مدافعش عن نفسه. في اليوم ده، عمر وصلهم هما الاتنين. الحاج محمود قعد ورا، وعمل نفسه رجله بتوجعه عشان يجبر نور تقعد قدام جنب عمر. — يا جدو، الصبح كان كتفك هو اللي بيوجعك! — الوجع بيسافر يا ابني. نور حطت إيدها على بقها عشان ماتضحكش.

على مدار الأسابيع اللي بعد كده، الحاج محمود كان بيلقى حجج غريبة عشان يكلم نور. كان محتاج رأيها في اختيار الطماطم في السوق، محتاج يتعلم أزاي يعمل مكالمة فيديو، أو عايز يعرف هل رُواية بوليسية كويسة ولا لأ لأن “القاتل شكله ابن ناس أوي”. نور كانت بتروح، وعمر بدأ يظهر هو كمان. بس كل يوم خميس، الحاج محمود كان بيختفي ومعه دفتر التوفير. في يوم، نور مشيت وراه من غير ما يقصد. شافته بيدخل البنك، يقعد في صالة الانتظار، ويتكلم مع نفس الموظفة الشابة. ماسحبش فلوس، ممضاش على حاجة، وما طلبش حاجة. اتكلم ١٠ دقايق، ابتسم، وخرج.

— بتيجي كل خميس ليه؟ سألته نور لما خرج. الحاج محمود بص لدفتر التوفير: — عشان هنا بيفكروني باسمي. نور حست بغصة في حلقها: — بس كده؟ — بعد ما “فاتن” ماتت، البيت بقى أخرس. عمر بيكلمني، اه، وبيجي لما بيقدر.. بس هنا.. لو غبت خميس واحد، في حد بيسأل عليا. تاني يوم، الحاج محمود طلب من نور تشيل معاها دفتر التوفير عقبال ما يروح للدكتور. بالليل، نور فتحت الدفتر عشان تطمن عليه، وقع منه ظرف أصفر قديم.

ماكانش مكتوب عليه اسم حد.. بس كان في جملة واحدة بخط إيد اترعشت وهي بتكتب:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى