روايات

زهرة وزين

“أنا عايزكم كلكم، أنتِ يا مرات عمي، وأنت يا عمي، تروحوا لزهرة، وتعتذرولها. تعتذرولها على كل كلمة، وعلى كل ظلم، وعلى كل وجع سببتوهولها. عايزكم تردوا لها اعتبارها بنفسكوا. ده أقل حاجة ممكن تعملوها بعد اللي حصل.” زين سابهم مصدومين من كلامه وخرج، تاركاً وراءه صمت أثقل من أي كلام، ومواجهة أثقل من أي عقاب. كان عارف إن المهمة لسه مخلصتش، بس على الأقل، بدأ يزيح الأكاذيب طبقة ورا طبقة.بعد ما خرج زين من بيت عمه، حس إن جبل اتشال من على صدره. رجع لزهرة في الفيلا، ودخل أوضتها بخطوات هادية. لقاها قاعدة على طرف السرير، بتبص قدامها بشرود.

قعد جنبها، ومد إيده لمسها، بس سحبها تاني لما حس بتردد. “زهرة،” قال بصوت مكسور، “أنا جيتلك تاني.” رفعت زهرة عينيها وبصتله، نظرتها كانت لسه مليانة حذر. “أنا لسه راجع من البلد،” كمل زين، صوته كان هادي ومتقطع، “واجهت عمي ومرات عمي بكل حاجة. عرفتهم إني عرفت كل أكاذيبهم، وإنك بريئة من كل تهمة.” زهرة فضلت ساكتة، بس لمعة خفيفة ظهرت في عينيها. “هما هيجولك هنا يعتذرولك بنفسهم،” قال زين، “وهيردوا اعتبارك قدام كل الناس. أياد في إيد القانون، ومحدش هيقدر يخرجه من اللي عمله. أنا حاولت على قد ما أقدر إني أرجعلك حقك من كل اللي ظلموكي.”

سكت زين لحظة، وبعدين بص في عينيها مباشرة. “بس باقي أهم حق لازم تاخديه، وهو حقك مني أنا. أنا عارف إن كلامي، وشكي فيكي، وقسوتي عليكي، كل ده ميتغفرش. أنا اتعميت عن الحقيقة، وصدقت الكدب، وسبتك تعاني لوحدك.” نزل زين على ركبتيه قدامها، ومد إيده ليها بتردد. “زهرة، أنا آسف. آسف على كل لحظة وجع سببتها ليكي، وعلى كل دمعة نزلت من عينيكي بسبب جهلي وظلمي. أنا مش بطلب منك تنسي، ولا بطلب منك ترجعيلي الحب اللي كان بينا. أنا بس بطلب منك تسامحيني على الأذية اللي عملتها فيكي. سامحيني عشان أقدر أسامح نفسي.”

نظرة زهرة كانت بتتنقل بين عينيه وإيديه اللي كانت ممدودة ليها. الصمت كان بيملأ الأوضة، صمت محمل بكل الألم اللي مروا بيه، وبكل الأمل اللي ممكن يكون لسه موجود.زهرة بصت لزين، وحسّت إن كل الكلمات اللي كانت مجهزة إنها تقولها اختفت. شايفاه قدامها مكـ,ـسور، ودي أول مرة تشوفه كده. الألم اللي في عينيها كان كبير، بس كلامه بدأ يكــ,,ـــــسر حواجز كتير جواها. بعد لحظة صمت طويلة، ردت زهرة بصوت خافت: “زين… اللي حصل مش سهل. الألم اللي عشته كان أكبر بكتير من إني أنساه أو أعديه بسهولة. أنا… أنا محتاجة وقت.”

زين هز راسه بتفهم، وقام وقف تاني. “أنا عارف يا زهرة. عارف إن اللي عملته مش هيتنسي بسهولة، وإن الكلمة دي صغيرة قدام حجم وجعك. وهاخد أي وقت تحتاجيه، وهستنى مهما طال الزمن.” مسك إيديها بحنية، المرة دي مكنش فيه تردد. “بس عايزك تعرفي حاجة، وأنا بقولها بكل صدق… أنا بتمنى من كل قلبي إنك في يوم من الأيام، توافقي تكوني مراتي. مراتي لآخر يوم في عمري. أنا بتشرف بيكي قدام كل الدنيا، وقدام نفسي، وقدام ربنا. أنتِ تستاهلي كل خير يا زهرة، وأنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أثبتلك ده.”

ساب إيديها بهدوء، وساب الأوضة، تاركًا وراءه قلب زهرة اللي كان مليان صراع بين الماضي الموجع والمستقبل المجهول، بس لأول مرة من زمان، كان فيه بصيص أمل.وبعد شهور طويلة، قضاها زين في محاولات حثيثة إنه يعوض زهرة عن كل لحظة ألم مرت بيها. كان بيقف جنبها في كل خطوة، بيرد اعتبارها، وبيثبت براءتها قدام كل اللي شكوا فيها. مرات عمه وعمه جم واعتذروا لزهرة قدام الجميع، وظهرت الحقيقة جلية وواضحة للكل.

زين مكنش بس بيصلح اللي فات، لأ ده كان بيبني مستقبل جديد مع زهرة. كان بيسمعها، وبيحتويها، وبيخليها تحس بالأمان والحب اللي كانت محرومة منه. مع الوقت، بدأت جروح زهرة تلتئم، وبدأ قلبها يسامح، مش بس زين، لكن كمان نفسها على اللي مرت بيه. وجاء اليوم اللي زهرة فيه بصت لزين بابتسامة حقيقية من القلب، ولقى نفسه بيعيد السؤال اللي كان بيتمناه من سنين، بس المرة دي بثقة أكبر، وبقلب أصدق. “هتقبلي تكوني مراتي يا زهرة؟”

ابتسامتها كانت كافية، لمعت عينيها بالحب اللي رجع يملى قلبها، وهزت راسها بموافقة. وكان فرح زهرة وزين، فرح البلد كلها. عزمه فيه كل الناس، الكبار والصغار، القرايب والجيران. مكنش مجرد فرح عادي، كان احتفالًا بانتصار الحق على الباطل، وبانتصار الحب على الظلم. كانت زهرة لابسة فستانها الأبيض، زي الملايكة، وزين جنبها، عيونه مكنتش بتشيل من عليها، كأنه بيعوض كل لحظة فاتت.

اكتمل زواجهم، وبدأوا صفحة جديدة في حياتهم. عاشوا مع بعض في سعادة، زين كان الزوج الحنون والسند، وزهرة كانت الزوجة المحبة اللي قدرت تتخطى آلام الماضي وتبني حياة جديدة مليانة أمل وحب. كانت قصتهم بتتحكى للأجيال اللي بعدهم، عشان تكون دليل على إن الصدق دايمًا بينتصر، وإن الحب الحقيقي ممكن يشفي أي جـ,ـرح. النهاية

انت في الصفحة 6 من 6 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى