
ياسين خرج وراها بسرعة، صوته طلع عالي في سكوت الليل: “استني عندك!” مريم وقفت مكانها وهي مصدومة، جسمها اتنفض، لفت وبصت له بخوف، كانت فاكراه مشي خلاص. قرب منها، كان لابس قميص أبيض، سألها وهو مستغرب: “رايحة فين دلوقتي؟” ردت بهدوء وهي بتبعد عيونها عن عيونه، مش قادرة تبص في وشه، صوتها واطي ومكسور: “راجعة البيت” ياسين استغرب أكتر، بص في الساعة وبص في الشارع الضلمة وقال: “هترجعي البيت دلوقتي إزاي لوحدك؟ الساعة 3 الفجر!”
قالت وهي لسه منزلة وشها في الأرض: “عشان بابا تعبان وهو في البيت لوحده.. لازم أرجع عشان أطمن عليه.. مينفعش أسيبه” ياسين عارف أبوها كويس، حسنين الراجل الطيب اللي كان بواب القصر طول عمره، هز راسه بتفهم وقال: “استنيني هنا.. هجيب العربية وآجي أوصلك” مريم اتصدمت وخافت مرة واحدة، رجعت خطوة لورا، عينيها وسعت، وافتكرت كلام عديلة عن رجالة القصر وعن الأغنياء، افتكرت إنه ممكن يضايقها. قالت بسرعة وخوف: “شكرا.. أنا هعرف أرجع لوحدي” ياسين استغرب رد فعلها، بس فهم.. فهم هي خايفة من إيه من نظراتها ومن حركة إيديها اللي كانت تحمي بيها نفسها.
وفجأة ضحك.. كانت أول ضحكة ليه في الليلة الصعبة اللي عاشها، ضحكة قصيرة بس طالعة من قلبه الموجوع. قالها وهو بيبص لها: “انتي فاكرة إني عايز أوصلك لغرض تاني؟ اللي جه في تفكيرك ده كله غلط.. أنا مش من دول” مريم جمعت شجاعتها وبصت له وقالت ببراءة خلته يتوجع: “حضرتك عريس والليلة دي كان فرحك.. وهو عادي تسيب عروستك وتيجي توصلني.. هو ده كده مش غلط؟”
أول ما فكرته بجوازته، وشه اتقلب، الدم غلي في عروقه تاني، الجرح اللي لسه مفتوح نزف من جديد، وشه احمر وعينيه اسودت من الغضب وقال بصوت عالي: “عندك حق.. اتفضلي روحي لوحدك.. بس لما حد يتعرضلك على الطريق في الوقت ده.. ابقي افتكري إني كنت هساعدك خوفاً عليكي لأنك بنت لوحدك.. مش أكتر من كدا!” مريم بصت له وسكتت ثانية، وبعدين فتحت شنطتها القماش القديمة وطلعت منها أداة صغيرة حادة للدفاع عن النفس بتلمع في الضلمة، مسكتها في إيديها وقالت بثبات وكرامة:
“اطمن حضرتك.. أنا مش بمشي خطوة من غير دي.. عشان لو حد فكر يتعرض لي.. أقدر أحافظ على نفسي كويس أوي يا ياسين بيه” الكلمة رشقت في قلب ياسين زي الرصاصة. “أحافظ على نفسي” جت على الجرح اللي لسه بينزف في قلبه، جت على الوجع اللي شافه فوق في أوضة نومه مع واحدة باعت الثقة بسهولة وبتتكلم عنه كأنه موضوع عادي. وقف مصدوم قدامها، بيبص للي في إيديها وبص لعينيها اللي كلها عزة وكرامة، بنت فقيرة ماشية بتحmi نفسها عشان تدافع عن كرامتها، وواحدة تانية لابسة فستان أبيض ورمت الأمان ورا ضهرها.
حس إن الدنيا بتلعب بيه، وإن ربنا بعتهاله في الليلة دي بالذات عشان يشوف الفرق الكبير بعينيه. “هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.” بنت فقيرة ماشية بأداة حادة صغيرة عشان تحافظ على نفسها، وواحدة تانية لابسة فستان أبيض بملايين ورمت الثقة ورا ضهرها. حس إن الدنيا بتلعب بيه، وإن ربنا بعتهاله في الليلة دي بالذات عشان يشوف الفرق بعينيه. (رواية الكاتبة ملك إبراهيم) ياسين هز راسه بتفهم، بص للأداة اللي في إيديها وبص لعينيها اللي مليانة كرامة وقال بصوت هادي: “تمام.. اتفضلي.. وآسف لو أزعجتك”
مريم اتصدمت، وقفت متنحة مكانها، ياسين الجارحي بذات نفسه، المليونير الغني اللي الكل بيعمله ألف حساب، بيقولها هي كلمة آسف! كانت متعودة إن الأغنياء يدوسوا على الغلابة، أول مرة حد يقولها آسف، أول مرة تحس إنها بني آدمة ليها قيمة. ياسين لف ورجع دخل الفيلا، وسابها واقفة لوحدها في الضلمة. مريم كملت طريقها وهي ماشية وبتفكر فيه، حاسة إنه مش زي ما كانت متوقعة خالص، ومش زي ما عديلة كانت بتحكي عنه، واضح إنه إنسان بجد ومختلف، وقلبها لأول مرة من سنين يحس بأمان غريب ناحية حد.
………
تاني يوم الصبح. ياسين كان نايم في أوضة المكتب، نايم على الكنبة بهدوم فرحه، يدوب غمض عينيه ساعتين بس من بعد الفجر، وشه مرهق وعينيه حمرا من السهر والقهر. صحي على تليفونه اللي مش مبطل رن، وتليفون المكتب بيرن معاه في نفس الوقت، مكالمات ورا بعضها مبتقفش. رد على تليفونه لقى معاذ صاحبه ومدير أعماله، صوته جاي مخضوض: “ياسين.. انت فين؟ إيه الصورة اللي نازلة دي؟” ياسين قام مفزوع وقال: “صورة إيه؟”
معاذ قاله وهو بيحاول يتمالك نفسه: “في صورة متسربة ليك وانت شايل بنت في جنينة الفيلا عندك وواخدها في حضنك بالليل.. والصورة نازلة على كل المواقع ومكتوب فوقها عنوان.. عريس بيخون عروسته في أول ليلة ليه بعد جوازه.. إلحق شوف المصيبة” ياسين اتصدم، فتح التليفون بسرعة، لقى فعلا الصورة.. صورته هو وهو شايل مريم إمبارح في الجنينة لما كانت خايفة من الكلب وأغمى عليها، الصورة متاخدة من زاوية غريبة كأنها مقصودة تطلعه بالمنظر ده.
كان هيتجنن، مين اللي صور الصورة دي؟ ومين اللي اتجرأ ونشرها؟ وانتشار الصورة في كل المواقع بالسرعة دي مكنش طبيعي أبدا.. واضح إنها حملة معمولة عليه ومقصودة. خرج ياسين من أوضة المكتب وهو مولع، تليفونه في إيده مفتوح على الصورة، وشه أحمر وعروق رقبته طالعة، بيزعق بصوت هز الفيلا كلها وبينادي على كل الخدم: “يا عديلة.. كل اللي في البيت.. كلكم تيجوا هنا حالا!” الخدم اتجمعوا وهم مرعوبين، وياسين واقف في نص الصالة ورافع التليفون في وشهم وبيزعق فيهم:
“مين اللي عمل كدا؟ مين اللي صور الصورة دي ونزلها على النت؟ انطقوا!”
(رواية الكاتبة ملك إبراهيم) كل الخدم خافوا، وشهم أصفر، واحدة منهم بتعيط والتانية بتحلف. واحدة قالت وهي بترتعش: “والله ما نعرف حاجة يا ياسين بيه.. احنا معملناش حاجة” والتانية قالت وهي حاطة إيدها على قلبها: “والله ما صورنا حاجة يا بيه” ياسين كان مولع، مش مصدق حد فيهم، بص لرئيس الحرس بتاعه اللي جه جري على صوته وقال بحدة:
“خد منهم كل التليفونات.. فتشها تليفون تليفون.. واعرفلي مين اللي عمل كدا.. عايز أعرف دلوقتي حالا”
رئيس الحرس هز راسه وقال: “حاضر يا باشا” في نفس اللحظة نزل عمه رأفت ومرات عمه ثريا وهم في إيديهم تليفوناتهم ووشهم مقلوب. رأفت بص لياسين وقال بصدمة: “مين اللي عمل كدا يا ياسين؟ مين اللي صورك ونزل صورتك كدا؟” ثريا كانت ماسكة تليفونها وبتتكلم وهي مولعة، صوتها عالي ومليان شماتة مستخبية: “دي مشكلة كبيرة.. دي أزمة للعيلة كلها.. الناس هتقول علينا إيه؟ ياسين الجارحي بيخون مراته ليلة دخلته؟ سمعتنا!” ياسين كان ساكت ومش بيرد، عينيه على التليفون والغل جواه بيزيد، عارف إن في حد قاصده هو بالذات.
………
فوق في أوضة لمياء، القصة كانت حاجة تانية خالص. لمياء كانت قاعدة على السرير وبتضحك، ماسكة التليفون وبتتكلم بسعادة كأنها كسبت جايزة كبيرة، وشها منور من الفرحة. كانت بتقول في التليفون بكل برود: “برافو عليك.. هحولك باقي الفلوس اللي اتفقنا عليها حالا.. بس بقولك إيه..” سكتت ثانية وضحكت ضحكة كلها خبث وقالت:
“أنا عايزة أزمة ياسين الجارحي تفضل تريند كام يوم كدا.. وعايزاك تطلعني أنا الزوجة المظلومة اللي اتعرضت لصدمة في ليلة فرحها.. عاوزة كل الناس تتعاطف معايا أنا.. فاهم؟”
قفلت التليفون ورمته على السرير قامت وقفت قدام المراية تعدل شعرها، كانت شايفة نفسها ذكية أوي، فاكرة إنها كده بتلوي دراع ياسين وبتخليه ميقدرش يطلقها بعد ما عملت له المشكلة دي. ما تعرفش إن اللعبة اللي بدأتها هتتقلب عليها هي، وإن الصورة اللي نشرتها هتكون هي نفسها السبب اللي هيجيب مريم تاني لقصر الجارحي، بس المرة دي مش كخدامة. (رواية الكاتبة ملك إبراهيم) ياسين دخل أوضة الكاميرات وقعد قدام الشاشات، عينيه حمرا ومش قادر يستوعب اللي يحصل، إزاي يتصور جوه بيته؟ جوه جنينة قصره؟ وصورته تتسرب كده على النت!
كان هيتجنن، بيراجع الكاميرات كاميرا كاميرا، الجنينة فاضية، مفيش حد غريب دخل الفيلا طول الليل، البوابات مقفولة والحرس واقف. رئيس الحرس دخل عليه وهو ماسك تليفونات الخدم كلها وقال: “يا باشا.. راجعت تليفوناتهم كلهم واحد واحد.. مفيش أي حاجة اتبعتت ولا اتصورت من عندهم.. كل تليفوناتهم نضيفة” ياسين بص له بغضب وقال: “يعني إيه؟ مين اللي صور الصورة دي؟” رئيس الحرس سكت ومردش. ياسين قام خد تليفونه وخرج الجنينة، واقف في نفس المكان اللي كان شايل فيه مريم، بيبص للصورة في تليفونه وبيقارنها بالواقع، هيتجنن وعايز يعرف الشخص ده صوره إزاي.
وقف في نفس المكان.. ورفع عينيه لفوق.. بيدور على الزاوية اللي اتلقطت منها الصورة.. عينيه بتلف في كل حتة. وفجأة اتصدم.. اتسمر مكانه. زاوية لقطة الصورة.. جاية من فوق.. من اتجاه بلكونة أوضته.. الأوضة اللي فيها لمياء دلوقتي.. لمياء اللي منزلتش بالليل ساعة اللي حصل وكانت قاعدة في أوضتها لوحدها. الدم غلي في عروقه مرة واحدة، كل حاجة اتربطت ببعضها في ثانية، برودها، تصرفاتها، كلامها عن الأزمة. دخل جري على جوه، طالع على السلم بخطوات كلها غضب، فتح باب أوضته مرة واحدة ودخل عليها.
لمياء كانت قاعدة على السرير وبتتفرج على التليفون ومبتسمة، أول ما شافت ياسين داخل عليها بالمنظر ده اتخضت، بس حاولت تمثل البرود. ياسين بص لها بنظرة كلها قرف وقال بصوت واطي يخوف:
“انتي اللي صورتي الصورة.. صح؟” (رواية الكاتبة ملك إبراهيم) لمياء عملت نفسها مش فاهمة حاجة، رفعت حاجبها ببرود وقالت: “صورة إيه؟ انت بتتكلم عن إيه؟” ياسين مقدرش يمسك نفسه أكتر من كده، قرب منها مرة واحدة وخد التليفون من إيديها بالقوة، فتحه وهي بتحاول تشده منه.
فتح الواتساب.. وشاف كل حاجة.. رقم الشخص اللي كلمته، والرسايل، والصورة اللي بعتتهاله هي بإيديها، وكلامها معاه: “نزلها وقول إن العريس بيخون عروسته” ياسين اتصدم من تصرفاتها، وشه اتقلب، هو ستر عليها.. ستر على اللي حصل وشال العار فوق كتفه وهي فضحته! شوهت سمعته بين الناس وشوهت سمعة بنت غلبانة ملهاش أي ذنب! زعق فيها بكل صوته، صوته هز القصر كله: “ليه تعملي كده؟ أنا سترت عليكي وانتي بتفضيحينا؟!” أهلها دخلوا بسرعة على صوته العالي، رأفت وثريا دخلوا الأوضة مفزوعين.



