قصص وروايات

حكاية ياسين ومريم

أوضة ياسين كانت متزينة كأنها من الجنة، نور هادي وورد في كل مكان، بس قلبه كان مقبوض ومخنوق كأنه في قبر.. واقف قدام سريره ومش مصدق اللي اكتشفه، الصدمة كانت أكبر من إنه يستوعبها، عقله واقف وقلبه بيدق بسرعة، دي مش أي واحدة، دي بنت عمه، اللي متربية معاه، اللي كان مديها الأمان ومديها اسمه، وحس فجأة بإن الثقة اللي بناها سنين اتهدمت في لحظة: “ليه خبيتي عليّ حاجات مهمة زي دي يا لمياء؟ ليه ما كنتيش واضحة وصريحة معايا من الأول قبل ما نربط مصيرنا ببعض؟”

كانت قاعدة على طرف السرير ببرود، كأنها سامعة موضوع عادي، وملامحها مفيهاش ذرة ندم، ومن جواها شايفة إنه هو اللي مكبر الموضوع: “انت مكبر الموضوع ليه يا ياسين؟ دي أمور حصلت في الماضي قبل ما تخطبني.. وأنا اخترتك أنت عشان كملت معاك” ياسين حس إن الدم بيغلي في عروقه، هيتجنن من برودها، الوجع اللي جواه وجع راجل اتغدر بثقته في أكتر مكان كان مأمنه: “إنتي عارفة إنتي بتقولي إيه يا لمياء؟ الثقة مش هينة!”

كانت بتبصله على إنه بيبالغ في رد فعله، ومن جواها شايفة إنه مكبر الموضوع، ورأيها إن حياتها الشخصية قبل الخطوبة تخصها وحدها.. قالت ببرود: “هو أنت كنت فاكرني إيه؟ عيلة صغيرة ماليش تجارب؟ أنا عشت برا خمس سنين، وطبيعي تكون ليا تفاصيل وحياة سابقة، وأنا حرة فيها” ياسين حس بقهر شديد، كرامته ورجولته اللي طول عمره شايلهم على كتفه كأنهم اتكسروا مرة واحدة، ووجعه الأكبر إنها بنت عمه، من لحمه ودمه، حاسس كأنه اتطعن في ضهره: “حرة؟ بس الأمان والصراحة هما أساس أي بيت، انتي كده هدمتي الثقة اللي بينا وبين اسم العيلة، اسم الجارحي اللي أبويا وعمي أمنوني عليه”

ضحكت ضحكة مستفزة، قامت وقفت قدامه وهي مش هاممها أي حاجة غير نفسها وبس، قلبها جامد وعينيها كلها تحدي: “وماله اسم الجارحي؟ ما أنا جارحي زيي زيك، وبعدين لو إللي عرفته وجعك أوي كدا طلقني، بس ساعتها هتفضح عمك وهتفضحني وهتخلي سيرة العيلة على كل لسان” الكلمة رشقت في قلبه زي السـ,ـكينة، هي عارفة بتلعبه إزاي، عارفة إنه لو اتكلم هيهد اسم العيلة وهيفضح عمه، وياسين مستحيل يقبل بكدا، واقف متكتف بين ناره وبين خوفه على اسم عمه اللي هيتفضح.. قالها بغضب: “أنا لا يمكن أقبل أن نكمل بالشكل ده وبفقدان الثقة ده، إنتي فاهمة؟”

وخرج من الأوضة وسابها وهو بيلعن اليوم اللي فكر يتجوزها وهو واثق في صراحتها لأنها بنت عمه، قلبه مليان قرف وغضب وماشي بيخبط في الحيطان. في نفس الوقت تحت، القصر كان كله هادي بعد دوشة الفرح.. سكوت تقيل بعد يوم طويل. في المطبخ كانت واقفة عديلة أكبر خدامة في القصر.. كانت جايبه مريم بنت جوزها عشان تساعدها في تنضيف القصر بعد ما الفرح خلص. مريم بنت جميلة عندها 22 سنة.. بتشتغل في محل لعب أطفال عشان تساعد أبوها الغلبان في مصاريف علاجه، قلبها أبيض ووشها بريء بس الدنيا جاية عليها بدري.

حسنين أبو مريم كان بيشتغل بواب في قصر الجارحي.. واتجوز عديلة بعد ما أم مريم مـ,ـاتت.. بس عديلة ست قاسية وقلبها جاف.. من يوم ما اتجوزته وهي بتعامل مريم بقسوة.. وحسنين ضعيف قدام مراته ومكسور بسبب المرض اللي جاله وقعده عاجز في البيت.. وعديلة ومريم هما اللي بيشتغلوا ويصرفوا على مرضه.

مريم كانت في الجنينة بتنضفها، لابسة فستانها البسيط وشايلة مقشة أكبر منها، جسمها بيترعش من التعب والبرد، وإيديها ساقعين، بس من جواها بتقول لنفسها استحملي عشان أبوكي، عشان لو عديلة مرات أبوكي غضبت عليكي.. هتسيب أبوكي من غير دوا.. وكانت بتهون على نفسها وتقول: “معلش يا مريم، استحملي، كله عشان أبوكي يقوم بالسلامة” صوت عديلة جاي من المطبخ عالي وبتتأمر كأنها صاحبة القصر، صوتها كله قسوة: “إخلصي يا بت، إنتي لسه بتتدلعي؟ ده قصر الجارحي مش مكان للكسل”

مريم بلعت الإهانة وسكتت، عينيها كانت مليانة دموع بس بتحبسها، اتعودت إنها تبقى لوحدها دايما، وإن ملهاش حد يطبطب عليها. ياسين كان نازل على السلم، كل خطوة بياخدها كأنها بتدوس على قلبه، وشه أحمر من الغضب والقهر، ونفسه طالع نازل، ومش شايف قدامه، فاكر إن القصر كله فاضي وإن الكل نايم، ومش واخد باله خالص إن في حد لسه موجود في الجنينة تحت. وقف ياسين في الجنينة وهو عايز يكسر كل حاجة حواليه.. جواه نار ووجع مش قادر يخرجه، حاسس إن الدنيا ضاقت بيه.

في نفس اللحظة كانت مريم بتنضف في الجنينة ورا القصر.. فجأة سمعت صوت وراها.. بتبص وراها لقت كلب أسود حجمه كبير، عينيه بتلمع في الضلمة. مريم أول لما شافته خافت بشدة وخافت على نفسها! والستارة سيطرت على كل جسمها. صرخت فجأة بكل صوتها وهي بتجري وبتقول: “الحقوووني” والكلب بيجري وراها لأنها غريبة وأول مرة يشوفها في القصر. ياسين اتصدم لما سمع صوت صراخ بنت في الجنينة، الصوت خلاه يفوق من النار اللي جواه. بيبص وراه لقى بنت جاية عليه وبتصرخ.. والكلب بتاعه رعد بيجري وراها.

مريم أول لما شافت ياسين.. كان هو طوق النجاة في اللحظة دي، شافته زي أمل أخير. جريت عليه بسرعة وهي خلاص حاسة إن قلبها هيقف من الرعب، جسمها كله بيترعش. مسكت فيه وهي بتقول برعب: “الحقني.. الحقني” وبصت وراها شافت الكلب بيجري وجاي عليها.. بصت لياسين بنظرة كلها رعب واستنجاد، وفجأة غابت عن الوعي، جسمها وقع مرة واحدة.

ياسين لحقها بسرعة قبل ما تلمس الأرض.. قلبه اتخض عليها، وزعق في الكلب بتاعه عشان يقف مكانه: “رعد.. مكانك” .. بص على البنت اللي بين إيديه وهو مستغرب مين دي وكانت بتعمل إيه هنا في الوقت دا! بص في ملامحها البريئة وهي بين إيديه، حس ببراءة غريبة في وشها رغم خوفها.

السابقانت في الصفحة 1 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى