“فين؟ موديني فين؟” قالتها بصوت متقطع، والخوف بان على وشها. فضل ماشي بيها وهو بيجرها وراه لحد باب في آخر الفيلا ما بيستخدموش كتير. فتحه، وظهر بدروم مظلــ,,ـــــموموحش. “هنا!” قالها بصوت غاضب وهو بيدفها لجوه. زهرة وقعت جوه، والظلمة ابتلعتها. “لا… لا يا زين! أنا بخاف من الضلمة!” صرخت وهي بتحاول تطلع، بس هو كان سد الباب بجسمه. “تخافي من الضلمة؟” قالها بنبرة سخرية مريرة، “أنتي اللي عملتي الضلمة في حياتنا كلنا. خليكي هنا يمكن تعرفي يعني إيه فضيحة ووجع!”
ورزع الباب وراها بقوة، وسابها في الضلمة لوحدها، بتعيط وبتصرخ باسمه، وهو واقف بره الباب، الغضب مسيطر عليه تماماً، وكأنه شايف إنها فضحتهم تاني، وإنها بنت مش كويسة ولا تستاهل أي رحمة. صفحة الكاتبة ملك إبراهيم الحفلة انتهت أخيراً، والضيوف مشيوا تاركين وراهم الفوضى والصمت المطبق. زين دخل أوضة مكتبه، قعد على كرسيه الجلدي الفخم، والغضب لسه بيحرك كل خلية جواه. حط راسه بين إيديه، دماغه كانت بتغلي. هو دلوقتي عنده “عار” تاني لازم يدفـ,ـنه، ومستقبل عمه اللي كان بيتمنى يرجعله، باظ تاني. كان بيفكر يعمل إيه معاها، يخلص من عارها ده إزاي.
في نفس الوقت، تحت في البدروم، زهرة كانت بتعيط وتصرخ طول الليل، صوتها مبحوح من كتر الصراخ والخوف. الظلمة كانت بتخنقها، وكل ركن في المكان الموحش ده كان بيكبر جواها الرعب. كانت بتحس إنها هتفقد عقلها، بس لا حياة لمن تنادي.
عند زين في المكتب، بعد ما قعد فترة طويلة يفكر في حلول مفيش ولا حل فيهم كان بيرضيه، فكرة خطرت على باله. مد إيده بسرعة وفتح شاشة الكمبيوتر، وعليها برنامج كاميرات المراقبة الخاصة بالفيلا. كان عايز يشوف بنفسه إزاي زهرة كان عندها الجراءة إنها تعمل اللي عملته مع أياد، وتتعرضله بالشكل ده. كان عايز دليل مادي يثبت لنفسه إن كلام أياد كان صح، وإن ظنونه فيها كانت في محلها، عشان يقدر ياخد قراره بقسوة ويخلص من الحوار ده كله. بدأ يرجع مقاطع الفيديو لحد ما وصل لوقت دخول أياد المطبخ.عين زين كانت متسمرة في الشاشة، بيتابع كل حركة.
شاف زهرة وهي بتتحرك طبيعي جداً في المطبخ، بتخلص شغلها بهدوء، مفيش أي حاجة غريبة في تصرفاتها. بعدين، شاف أياد وهو داخل المطبخ، خطواته مش متزنة، ملامحه متغيرة بسبب الشرب. شاف إيده وهي بتحاول تمتد لزهرة، وهي بترجع لورا بخوف. شاف زهرة وهي بتدافع عن نفسها، بتبعد عنه بكل قوة عندها، عينيها كانت بتصرخ بالرفض والخوف. ولما أياد أصر على الاقتراب، شافها بترفع إيدها وبتضـ,ـربه، بعدها صرخت صرختها اللي هزت الفيلا كلها. كل تفصيلة في المشهد ده كانت بتوضح براءة زهرة وشرفها، وإنها كانت ضحية محاولة اعتــ,,ـــــدا مش أكتر.
الدم في عروق زين اتجمد. إزاي قدر يصدق أياد؟ إزاي قدر يشك فيها، ويعمل فيها كده؟ الكاميرات كانت بتكشف الحقيقة المرة، حقيقة إنه ظلمها ظلــ,,ـــــمبين، وإنها كانت صادقة في كل كلمة قالتها. وش أياد وهو بينزف، كان دليل على دفاعها عن نفسها. زين حس إن الأرض بتتهز من تحت رجليه.تفكيره كان زي الدوامة، كل كلمة قالها أياد، وكل شك اتزرع جواه، اتحول لسـ,ـكاكين بتقطع في ضميره. شافها بوضوح في التسجيل، براءتها كانت بتصرخ في كل حركة. هي فعلاً مظلومة، مظلومة منه هو بالذات. أياد الكداب، أياد اللي استغل غضبه وقهره عشان يلبسها تهمة هي بعيدة عنها كل البعد.
قام من مكانه بصدمة، الكرسي اتقلب وراه، بس هو ما حسش بيه. خرج يجري من المكتب زي المجنون، ملامحه كانت متغيرة تماماً، الخوف على زهرة حل محل الغضب اللي كان مسيطر عليه. نزل السلالم خطوتين خطوتين، وصل عند الباب اللي رزعها وراها. الظلام اللي كان بيحس إنه العدو دلوقتي، كان لازم يزيحه عنها. فتح الباب بسرعة، المكان كان ساكن تماماً. صمت موحش. نادى عليها: “زهرة! يا زهرة!” صوته كان بيرجف، مفيش رد. قلبه كاد يقف. شغل النور وهو بيجري خطوة لجوه، وفجأة، اتجمد مكانه.
زهرة كانت مرمية على الأرض، جسمها هزيل، وشها شاحب، باين عليها آثار العياط والخوف. مغمى عليها. المنظر ده كان كفيل يهد جبل، فما بالكم بقلب زين اللي كان لسه مكتشف قد إيه ظلمها. ركع جنبها بسرعة، حسس نبضها، قلبه بينزف على حالتها اللي وصلتها بسببه.زين شالها بين إيديه بحرص، حس بوزنها الخفيف اللي كان بيعكس قد إيه هي مرهقة وضعيفة. طلع بيها على أوضته، حطها على سريره بهدوء، ومغطاها كويس. وجهها الشاحب كان بينطق بالخوف والتعب. على طول، اتصل بالدكتور وهو صوته فيه قلق مش طبيعي.
بعد شوية، الدكتور وصل، كشف على زهرة، ولما خلص بص لزين بنظرة فاهمة. “المدام اتعرضت لصدمة عصبية عنيفة يا أستاذ زين. لازم راحة تامة، ومتقلقوش، العلاج اللي كتبتهولها هيهديها ويخليها ترتاح. أهم حاجة تبعدوها عن أي توتر أو ضغط نفسي.” روايات ملك إبراهيم زين هز راسه وهو حاسس إن كل كلمة من الدكتور بتزيد جواه شعور بالذنب والقهر. الدكتور مشي، وساب زين وزهرة لوحدهم.
زين قعد على كرسي جنب السرير، وسهر جنبها طول الليل. كان بيتأمل ملامحها، لأول مرة يشوفها بالشكل ده، بعيد عن الغضب والأحكام المسبقة. ملامحها الهادية وهي نايمة، رموشها الطويلة اللي كانت مبلولة بالدموع، وشها اللي كان بينطق بالبراءة. اكتشف قد إيه هي جميلة، جمال هادي ومختلف، مش جمال صاخب زي اللي كان متعود عليه في عالم القاهرة. كل نفس بتاخده، وكل حركة خفيفة منها، كانت بتخليه يحس بغصة في قلبه. الألم اللي سببتهولها كان كبير، وذنبها مكنش موجود غير في خياله المريض. كان بيتمنى الزمن يرجع بيه عشان يصلح كل اللي عمله، بس كان فات الأوان.
دلوقتي، كل اللي يقدر يعمله هو إنه يفضل جنبها، ويحاول يصلح اللي كــ,,ـــــسره.بعد تلات أيام، زهرة كانت لسه بتتعافى، جسمها ضعيف وروحها منهكة. كانت نايمة على سرير زين الفخم، واحدة من الخدامات بتساعدها تاكل شوية شوربة، بتحاول تدخل فيها أي حاجة عشان تستعيد قوتها. زين دخل الأوضة، بخطوات هادية، أول ما عيون زهرة وقعت عليه، جسمها كله انتفض بخوف واضح. الكوباية كادت تقع من إيدها، والخدامة لاحظت ارتجافتها. زين لمح ده، الإحساس بالذنب لسع قلبه تاني.
طلب من الخدامة بهدوء إنها تسيبهم لوحدهم. الخدامة خرجت بسرعة وهي بترمي نظرات قلق على زهرة. زين قرب من السرير، قعد قدامها، وبدأ يبص لها مباشرةً. زهرة كانت بتبعد عينيها عنه، نظراتها مكسورة وخايفة، مش قادرة تواجه عيونه. زين أخد نفس عميق، وصوته القوي اللي كان دايماً بيخوفها، طلع منه نبرة محايدة ومحاولة للفهم: “زهرة… أنا عايز أسمعك. عايزك تحكيلي كل اللي حصل، بالتفصيل.”
سكت لحظة، وبعدين كمل، وصوته بدأ يبقى فيه حدة خفيفة، كأنه بيحاول يمسك آخر خيط من الشك جواه: “مين اللي غلطتي معاه؟ ومين اللي كنتي حامل منه؟ عايز أعرف الحقيقة كاملة، من غير كدب ولا لف ودوران.” نظرة زهرة ثبتت عليه للحظة، نظرة فيها ألم وغضب ووجع كل اللي فات. السؤال ده كان السكـ,ـين اللي كل مرة يطعــ,,ـــــنها بيها.زهرة بدأت تتململ على السرير، وفتحت عينيها ببطء. أول ما عينيها وقعت على زين اللي قاعد جنبها، ملامح الخوف والوجع رجعت ترتسم على وشها، بس المرة دي كانت ممزوجة بغضب جامد. رفعت راسها بصعوبة وقالت بصوت مجهد، بس مليان قوة:
“أنا قولتلك قبل كده إن أنا مظلومة، وإن أنا ما عملتش أي حاجة غلط!” كلمات كانت بتقطع النفس وهي بتخرج من صدرها. “بس أنت رافض تصدقني، ورافض تسمعني!” بصت له مباشرة في عينيه، نظرة مليانة تحدي وألم، وتابعت: “خذني عند أي دكتورة… أي دكتورة نساء تبعك، خليها تكشف عليا وتقولك إذا كنت مظلومة ولا لا.” صوتها كان بيعلي وبيتهدج، “أنا بنت شريفة يا زين! ومفيش أي راجل لمسني في حياتي كلها!”
كانت الكلمات دي زي رصـ,ـاص بيصيب قلبه. كل كلمة كانت بتأكد قد إيه هو ظلمها، وقد إيه الشك أعمى بصيرته.زين حس إن كل كلمة بتقولها كانت بتصدقها روحه قبل عقله، بس كبرياؤه وغضبه اللي تربى عليه لسنين طويلة خلاه يقاوم الإحساس ده بقوة. قام من مكانه ووقف قدامها، صوته كان أقوى من نبرتها الغاضبة: “أنتي كدابة! مرات عمي قالتلي بنفسها إنك غلطتي مع واحد وكنتي حامل منه… دي كانت فضيحة!”
زهرة بصتله بقوة وثبات، نظرة مفيش فيها أي خوف، بس كلها ألم وانكسار: “أمي كدبت عليك!” الكلمة دي نزلت على ودانه زي الصاعقة، “كدبت عليك عشان تكون مضطر تتجوزني عشان خاطر عمك!” سكتت لحظة، كأنها بتجمع كل قواها عشان تكمل الكلام اللي كتمته جواها طول المدة دي: “أبويا اتشل يا زين! اتشل من قهره بعد ما خسر أرضه ومبقاش حيلته حاجة في الدنيا دي. أمي شافت إن مفيش حل تاني، وإنها لازم تتصرف عشان تساعدهم بالفلوس. ولما أنا رفضت أتجوزك… عملت الحكاية دي.”
الدموع بدأت تتجمع في عينيها وهي بتكمل، وصوتها اتخنق بالعياط: “خلتها تقولك كدبة الفضـ,ـيحة عشان تتجوزني غصب عني… وتنقذهم من الفقر، ومن غيرتهم عليك. كل ده عشان فلوسك!”زين واقف مصدوم، كلام زهرة نزل عليه زي الصاعقة، بس عقله رافض يصدق. أمها بالبشاعة دي؟ تستغل ظروفها وعمها عشان تلفق تهمة زي دي؟ مستحيل.
